عثمان بن جني ( ابن جني )
345
سر صناعة الإعراب
احتاج الدليل إلى دليل ، وإذا احتاج الدليل إلى دليل فقد سقط المعنى المدلول عليه . وهذا وإن كان ظاهره سائغا متقبلا فإنه غير داخل على غرض أبي الحسن ، وذلك أن معنى قوله : « دليل الإعراب » أنها تقوم مقام الضمة والفتحة والكسرة ، وتفيد ما يفدنه ، فشابهت الألف النون التي لرفع الفعل المضارع في نحو يقومان ويقومون وتقومين في أنها تقوم مقام الضمة في « يقوم » و « يقعد » وأنها ليست من أصول الإعراب ؛ ألا ترى أن جنس الإعراب هو الحركة ، ولذلك جعل جنس البناء سكونا إذ كانا ضدين ، وكانت الحركة ضد السكون ، فالألف إذن هناك كالنون هنا . ويدلك على أن الأفعال المضارعة التي رفعها بالنون ليست على طريق قياس أصول الإعراب ، حذفك النون في موضع النصب في قولك : « لن يقوما » ألا ترى أن النصب هنا مدخل على الجزم كما أدخل النصب في الأسماء المثناة والمجموعة على سبيل التثنية على الجر في قولك : « ضربت الزيدين والعمرين » ، ولست تجد في الآحاد المتمكنة الإعراب ما يحمل فيه أحد الإعرابين على صاحبه . فأما « مررت بأحمد » فإن ما لا ينصرف غير متمكن الإعراب . ويزيد عندك في بيان ضعف إعراب الفعل المضارع ، أنك إذا ثنيت الضمير فيه أو جمعته أو أنّثته ، أنك تجده بغير حرف إعراب ؛ ألا ترى أنه لو كان ل « يقومان » حرف إعراب لم يخل من أن يكون الميم أو الألف أو النون ، فمحال أن تكون الميم لأن الألف بعدها قد صيغت معها وحصلت الميم لذلك حشوا لا طرفا ، ومحال أن يكون حرف الإعراب وسطا ، ولا يجوز أن يكون إلا آخرا طرفا ، ولا يجوز أن تكون الألف في « يقومان » حرف إعراب ، قال سيبويه « 1 » : « لأنك لم ترد أن تثني هذا البناء فتضم إليه يفعلا آخر » أي : لم ترد أن تضم هذا المثال إلى مثال آخر ، وإنما أردت أن تعلم أن الفاعل اثنان ، فجئت بالألف التي هي علم الضمير والتثنية ، ولو أردت أن تضم نفس الفعل إلى فعل آخر من لفظه لكانت الألف في « يقومان » حرف إعراب ، كما كانت الألف في « الزيدان » حرف إعراب ، لما أردت أن تضم إلى زيد زيدا آخر . فقد بطل إذن أن تكون الألف حرف إعراب . ومحال أيضا أن تكون النون حرف إعراب في « يقومان » لأمرين :
--> ( 1 ) الكتاب ( 1 / 5 ) .